فيلمُ ما يريده الرجال: قراءةٌ في بنية النص والسرد البصري 

انطلاقًا من المعطيات التي يقدّمها النص في فيلم “مايريده الرجال – What Men Want” الذي أخرجه Rodi Hameh وكتب نصه مع الكاتب Hussam Hannouf، ,وانطلاقاً من الخلفية الواقعية للفيلم بوصفه يستند إلى قصتي امرأتين تعرّضتا للخداع العاطفي والمالي، يمكن قراءةُ مشاهدِ الأنيميشن الافتتاحية بوصفها مدخلًا رمزيًا مكثفًا يعيدُ تشكيلَ التجربة الإنسانية لهاتين الشخصيتين قبل ظهورهما .في المسار الواقعي

يبدأ المشهدُ بصورةِ ذبابةٍ على ذبيحةٍ بلا رأس، ثم بعد ثوانٍ تدبّ فيها الحياة وتبدأ في البحث عن أجزائها المفقودة. هذا التكوين البصري لا يعمل على مستوى الصدمة فقط، بل يؤسس لمعنى التفكك وفقدان الهوية؛ فالجسد هنا ليس كيانًا متماسكًا، بل أجزاءً مبعثرةً تحاول إعادة تركيب نفسها. ويمكن قراءة هذا المشهد بوصفه انعكاسًا لحالة المرأتين، حيث لم تعد «الذات» وحدةً مستقرة، بل كيانًا تعرّض للانفصال عاطفيًا واجتماعيًا وحتى وجوديًا، وهو ما يتقاطع مع ما طرحه المخرج أندريه تاركوفسكي حول أن السينما تعيد ربط الإنسان بعالمه عبر الصورة لا عبر السرد المباشر [1].

إن عملية البحث عن الرأس والأطراف، ثم إعادة تركيب الجسد، توحي بمحاولة استعادة الذات بعد الانكسار، لكنها محاولة ناقصة؛ لأن العين التي تشير إلى أن هناك شيئًا مفقودًا تؤكد أن إعادة البناء لا تعني الشفاء الكامل. هنا يظهر الفرق بين استعادة الشكل واستعادة المعنى؛ إذ يمكن إعادة تشكيل الحياة ظاهريًا، لكن الفقد الداخلي يبقى قائمًا. وهذا المعنى يتقاطع مع تجربة سارة رستم التي فقدت المال والمعنى معًا، كما يتقاطع مع تجربة ميريام سالم التي فقدت الاستقرار العاطفي والأسري، وهو ما يمكن فهمه في ضوء ما تشير .إليه دراسات علم النفس الإعلامي حول أن الصور الصادمة تعكس حالات التفكك الداخلي أكثر مما تنقله اللغة [2]

وانتقالُ النعجة إلى الغرفة الثانية، مع مشهد الكلبين اللذين يأكلان حيوانًا مذبوحًا، يضيف طبقةً أخرى من المعنى، حيث يتحول العالم المحيط إلى فضاءٍ افتراسي. لم تعد الخسارة حدثًا فرديًا، بل جزءًا من بنيةٍ أوسع قائمة على الاستغلال، وهو ما يتقاطع مع فكرة أن الصورة السينمائية قد تحمل معنىً اجتماعيًا يتجاوز ظاهرها، كما تشير إليه المخرجة سميرة مخملباف في حديثها عن الرمزية البصرية .[3]

أما ظهور الخروف الصغير، الذي يبدو أنه مولود النعجة، ثم إخفاؤه داخل بطنها، فيفتح قراءةً تتعلق بمحاولة حماية ما تبقى من الذات. فهذا المولود يمكن فهمه بوصفه رمزًا لبقايا الأمل، أو لما تبقى من القدرة على الاستمرار، أو حتى لما تبقى من المعنى الإنساني بعد الخراب. وإخفاؤه داخل الجسد يوحي بحركة انكفاء إلى الداخل، أي بمحاولة حماية الجزء الأضعف من الذات، وهو ما يتقاطع مع ما .تشير إليه تحليلات نفسية حول آليات الانسحاب الداخلي بعد الصدمات العاطفية [2]

ثم ينتقل المشهد إلى امرأة تحمل باقة ورد وتتجه إلى الفراش مع رجل، فيتحول البناء البصري من الحيواني إلى الإنساني، لكن دون أن يغادر البنية الرمزية نفسها. فالعلاقة هنا تبدأ بمظهر جمالي، لكنها تنكشف سريعًا كعلاقة موت، وهذا التحول يتقاطع مع ما تشير إليه .المخرجة أليس رورواشر حول أن الصورة السينمائية يجب أن تصدم المتلقي لتكشف حقيقة أعمق [4]

وتحوّلُ الوردة إلى فأر يدخل الجسد يقدّم صورةً بصريةً معقدة، إذ يتحول الجمال إلى وسيلة تسلل واختراق، وهذا ينسجم مع طرح .كيلي رايشاردت بأن الحقيقة في السينما تكمن في الصورة أكثر من الحوار [5]

ثم تأتي رحلة الفأر داخل النفق، مع عرض مشاهد مدنية فوقه، لتخلق توازيًا بين البنية الخفية للحكاية والبنية الظاهرة للحياة. وهنا يظهر أن الخداع لا يحدث في هامش المجتمع، بل يسير بالتوازي مع بنى اجتماعية قائمة، وهو ما يعكس ما أشار إليه جان-لوك غودار .حول تفكيك السرد التقليدي لإظهار طبقات المعنى [6]

أما المشهد الأخير، حيث يسقط الفأر بعد دخوله جحرًا يبدو كأنه مدخل لتصريف مياه الأمطار، ليسقط في ما يشبه منقلةً للشواء والفحم المشتعل، فيقوم الرجل بوغزه بواسطة أداة حادة تشبه السكين، ثم يمسح بإصبعه من دم الفأر على وجهه قبل ابتلاعه، فيقدّم صورةً مكثفةً للاستهلاك الكامل للضحية، وهو ما يمكن فهمه ضمن رؤية المخرج الوثائقي كين بيرنز بأن الفيلم هو تراكم لصراعات .وتجارب إنسانية معقدة [7]

وفي هذا السياق الواقعي، تتضح رمزية المشهد الافتتاحي بشكل أعمق إذا استحضرنا مصير الشخصيتين. فسارة رستم تعرّضت للاحتيال المالي بغية جمع أسرتها في ألمانيا بعد زيارتها الأولى واكتشاف أن وضع أسرتها غير مستقر في سوريا، وذلك بعد أن وثقت في إبراهيم، حيث استغل ثقتها به في لمّ شمل عائلتها وسرق منها أربعين ألف دولار، وهو ما يجعل من تفكك الجسد في الأنيميشن صورةً .لتفكك الحلم نفسه

أما ميريام سالم ، فقد تعرّضت للخداع العاطفي، حيث تخلّت عن زوجها وأولادها تحت تأثير علاقة مضللة مع إبراهيم، قبل أن يتركها وهي في حالة انهيار كامل بعد ترحيله من ألمانيا، لتجد نفسها بلا أسرة ولا استقرار، وهو ما يجعل من صورة الجثة بلا رأس تمثيلًا رمزيًا لقتل المعنى والهوية دون قتل الجسد. وعليه، فإن مشاهد الأنيميشن لا تعمل بوصفها مقدمةً فنية، بل كبنية رمزية تؤسس لفهم القصة؛ فهي تعيد صياغة التجربتين بلغة بصرية مكثفة تعكس التفكك والخداع والاستنزاف، وتسبق السرد الواقعي لتمنحه عمقه .النفسي والوجودي

الحوارُ والسردُ البصري: الاندماجاتُ المتدفقةُ للفيلم

بالرغم من أن محور قصة الفيلم يتمحور حول الاحتيال المالي والعاطفي، إلا أنه في أعماقه يكشف عن أبعاد نفسية واجتماعية وثقافية. فحين تقول سارة رستن عن ذاتها: «بحكي عني مثل ما الناس بيحكوا، كثار حكوا عن اللي صار معي، صرت مضرب مثل، بس بشو؟ شو اللي شافوه من كل قصتي؟ شو الحكي اللي علق في ذاكرة الناس؟ وفي المقابل شو اللي علق في ذاكرتي؟ وهل قصتي أنا هي نفسها قصتهم عني؟ راح أحاول أحكي قصتي أنا، لكن من هلا ما نيي ضمنانة إني أعرف أحكيها متل ما بدي إياها تنحكى، لأني اكتشفت إن الإنسان مو دايمًا أمين على حكايته، أو بالأحرى منه قادر يحكيها صح»، فإن هذا السرد يكشف أن المجتمع يحتفظ بذاكرة سردية لا تتطابق بالضرورة مع الواقع، كما يشير إلى انتقائية الإنسان في حفظ واسترجاع الذكريات. وهنا يتقاطع المعنى مع ما قاله محمود درويش: الحنين ليس ذكرى، بل ما يُنتقى من متحف الذاكرة؛ الحنين كبستاني ماهر، وهو تكرار للذكرى بعد تصفيتها من الشوائب

بدأ الفيلم في موقع محلٍّ تجاري لشراء هدية عيد ميلاد سارة رستم، ورافق المادة المصوّرة سردٌ صوتي عمودي، حيث كانت ميريام سالم تصف ذاتها بأنها امرأة خانت زوجها وتخلّت عن أطفالها. ثم انتقل السرد ليصبح أفقيًا حين تحدثت عن سارة رستم، قبل أن تتحدث سارة عن جانبها التكويني في بعده الاجتماعي، مقدّمةً مقارنةً بين حياتها في سوريا وحياتها في ألمانيا. ثم تطرح مقاربةً بين فوضى الرسائل البريدية التي لم ترتّبها وبين فوضاها الذاتية، وكيف أنها لا تنظّم حياتها وعلاقاتها الاجتماعية. وعلى المستوى الثقافي، يكشف الفيلم عن انطواء العلاقات الاجتماعية ضمن دوائر متشابهة عرقيًا، وهو ما يعكس قلق الهوية، حتى وإن كانت الشخصيات .سورية

التطورُ الدرامي النصي والبصري

مع بدء لحظات الاحتفال بعيد ميلاد سارة رستم، كان السرد البصري منسجمًا مع السرد الصوتي، حيث شجّعت الحضور على التعارف عند وصول ميريام سالم وزوجها كريم: «كلكم تعرّفوا على بعض». كما أن انتقال المشاهد في الحفل كان يقول الكثير دون حاجة إلى حوار مباشر. كانت سارة رستم موظفةً تتابع شؤون اللاجئين في ألمانيا، وفي الوقت ذاته مهاجرة، وهو ما شكّل الجسر النصي للبناء .الدرامي وتطور العلاقة مع ميريام سالم وزوجها كريم، اللذين كانا يبحثان عن منزل للاستقرار

كانت مشاهد الأحداث تعكس ارتباطًا وثيقًا بمقدمة الفيلم (الأنيميشن)، وقد شكّل ذلك ربطًا بصريًا أعطى القصة عمقًا دلاليًا وقوةً بصرية. فمشهد الحيوان المذبوح يتكرر حين يجلبه إبراهيم ويقطّعه ليكون جاهزًا للطبخ، كما أن لغة عينيه تكشف ما يدور في داخله قبل أن يقدّمه السرد النصي. واندماج ابن سارة رستم في الاستماع إلى الأغاني واستخدام الهاتف حتى قرب نهاية الفيلم يكشف عن غياب الدور التربوي المستمر، قبل أن يُختتم ذلك بمشهد يحمل دلالة اغتراب عاطفي، ما يدفع سارة للاهتمام بابنها بصورة أكبر.

الحوارات والبعد البصري

الحوار في العمل البصري يعمل على مستويين متكاملين؛ فهو، من جهة، أداة سردية لنقل المعلومات وكشف الشخصيات وخلق التوتر وشرح الخلفيات، وهو، من جهة أخرى، علاقة دينامية تتجاوز تبادل الكلمات لتشمل التفاعل بين الشخصيات، وبين العمل والمتلقي، وبين الصوت والصورة. في الأعمال القوية، لا يكون الحوار مجرد خطاب منطوق، بل جزءًا من نسيج بصري وسمعي متكامل يسهم في .بناء المعنى

في المقابل، يشير السرد البصري إلى الطريقة التي تُروى بها الحكاية عبر الصورة. فالكاميرا، كما في مشهد عودة سارة رستم لزيارة أهلها في سوريا، حيث كانت تسجل فيديو عبر هاتفها، تكشف عن مشاعر الاشتياق، كما أن الإضاءة شبه المعتمة تتناسب مع طبيعة القصة المشحونة بالمشاعر، إضافة إلى التكوين واللون وحركة الشخصيات وزوايا التصوير والموسيقى والمونتاج، كلها تتحول إلى أدوات .سردية. فبدل أن تصرّح الشخصية بخوفها، تنقل الصورة ذلك عبر لقطة ضيقة، وإضاءة خافتة، وفراغ مكاني، وبطء في الحركة وصمت

ضمن هذا الإطار، لا يعود الحوار والسرد البصري عنصرين منفصلين، بل يتداخلان في بنية واحدة؛ فالكلام لا يكرر ما تقوله الصورة، والصورة لا تشرح الحوار، بل ينشأ بينهما تفاعل عضوي ينتج المعنى. وقد تنطق الشخصية بجملة قصيرة، لكن معناها لا يكتمل إلا عبر .عناصر بصرية مرافقة، أو حتى من خلال إيقاع المونتاج

هذا الاندماج ليس تركيبًا ثابتًا، بل تدفقًا مستمرًا؛ إذ ينتقل الفيلم بين الحوار والصورة بانسيابية دون انقطاع، فلا يشعر المتلقي بحدود فاصلة بين ما يُقال وما يُرى، بل يختبر المعنى بوصفه حركة متدفقة بين العناصر، حيث يغذّي كل عنصر الآخر، منتجًا أثرًا سرديًا وجماليًا .موحّدًا

كتبه:المخرج هاني العبندي
التاريخ: 20 مارس 2026

المصادر

[1] أندريه تاركوفسكي، نحت في الزمن (Andrei Tarkovsky, Sculpting in Time)
[2] دانيال كانيمان، دراسات في الإدراك والتجربة (Daniel Kahneman)
[3] سميرة مخملباف، مقابلات حول الرمزية في السينما الإيرانية (Samira Makhmalbaf)
[4] أليس رورواشر، تصريحات في مهرجانات سينمائية (Alice Rohrwacher)
[5] كيلي رايشاردت، مقولات حول الصورة والحقيقة (Kelly Reichardt)
[6] جان-لوك غودار، تنظيرات حول تفكيك السرد (Jean-Luc Godard)
[7] كين بيرنز، مقابلات حول الفيلم الوثائقي (Ken Burns)